محمد جواد مغنية
59
في ظلال نهج البلاغة
وبالبداهة ان الوحي من خالق الفطرة وهو وحده الذي يجب أن يرسم فيها ما يرسم ، وأن تؤمن به وتعمل . ويدلنا على صحة هذا التفسير ان الانسان يولد ، ولا يولد معه شيء إلا حواسه الخمس ، ومعدة تطلب الطعام والشراب - كما هو المشاهد - بالحس والوجدان ، ثم يكتسب معارفه مما يحيط به شيئا فشيئا عن طريق هذه الحواس . . وفي أقوال أهل البيت ( ع ) ما يعزز ذلك ويدل عليه ، قال صاحب مجمع البيان : روى أصحابنا عن الإمام الباقر : « ان الناس كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة اللَّه ، لا مهتدين ولا ضالين ، فبعث اللَّه النبيين » . وسياق الآية يدل على صحة التفسير الذي اخترناه للفطرة ، بل ويفرضه ، لأن الآية الكريمة وردت بعد قوله تعالى : * ( ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) * . . * ( ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * . . * ( ومِنْ آياتِه خَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * - إلى قوله - * ( وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * . . * ( ولَه الْمَثَلُ الأَعْلى ) * . . بعد هذا البيان الطويل عن انشاء الخلق وإعادته ، وبعد ذكر الفطرة - قال سبحانه : * ( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * أي ان الدين الحنيف القيّم الذي يجب أن تأخذ به فطرة الانسان هو الايمان باللَّه الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، لا الشرك أو اليهودية أو النصرانية ، وما إلى ذلك مما لا مصدر له إلا تضليل الأبوين ، وفساد المجتمع ، ولكن أكثر الناس يجهلون الدين الحنيف ، ويدينون بغير الحق ، دين الآباء والأجداد . وهذا المعنى هو المراد أيضا من حديث « كل مولود » . وعليه يحمل قول الإمام . « ليستأدوهم ميثاق فطرته » أي ان الأنبياء طلبوا من الناس أن يؤمنوا ويعملوا بما أوحاه سبحانه إلى الفطرة على لسان أنبيائه ، وليس معناه - كما يظن - ان الأنبياء طلبوا من الناس أن يؤمنوا بما توحيه الفطرة نفسها . . كلا ، لأنها صحيفة بيضاء لا توحي بشيء على الإطلاق . ( ويذكروهم منسي نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم الآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ) . هذا تحديد لمهمة الأنبياء ووظيفتهم ، وهي التذكير بأنعم اللَّه على عباده ، والاحتجاج عليهم بإرشاده إلى أن يفكروا ويتأملوا في خلق اللَّه وآثاره الدالة على قدرته وعظمته